السيد عباس علي الموسوي

41

شرح نهج البلاغة

( وكن للهّ مطيعا وبذكره آنسا ) إنها أعظم وصية ومن أجلها جاء الأنبياء وهي الوصية بطاعة اللّه ومن كان للهّ مطيعا فقد أدرك أعظم حظه ووصل إلى غاية طلبه . . كن للهّ مطيعا شعارا يلخصّ كل دعوات الأنبياء والرسل وبه جاءت الكتب ومن أجله كانت التضحيات . وكان البذل والعطاء بل كانت القرابين والدماء . . . كن للهّ مطيعا في السر والعلن فيما تحب وفيما تكره . . . في أمورك الخاصة والعامة . . في مواقفك . . . وفي سلوكك في حركتك وفي حديثك . . في سياستك واقتصادك في كل أمر بجب أن تكون للهّ مطيعا . وبذكر اللّه آنسا : ولا أنس إلا لمن عرف اللّه ووقف على كرمه وجوده وعذابه وعقابه . . . فمن عرف اللّه لم يعد يستأنس إلا به وقد عرفه رجال فعاشوا لذة هذا الأنس وانفردوا بها دون غيرهم . . . ( وتمثل في حال توليك عنه إقباله عليك يدعوك إلى عفوه ويتغمدك بفضله وأنت متول عنه إلى غيره ) قرأت هذه العبارات فهزتني من الأعماق وتصورت هذا الإنسان الهارب من دعوة اللّه واللّه وراءه يدعوه إلى فضله وعفوه ومغفرته . . تصورت سرعة السير عند هذا الإنسان يريد أن يلقي نفسه في جهنم ويرفض دعوة اللّه ونداءه إلى العفو والمغفرة . . . تصورت صحيحة الأنبياء فيه تقرع أذنه وتناديه أقبل على اللّه بقلبك وعملك وهو يتولى عن ذلك ويعرض عنه ويذهب إلى غيره جهلا منه أو عنادا . . . صورة الإنسان الهارب من الرحمة إلى العذاب ومن النعيم إلى الشقاء . . . صورة الإنسان الذي لم يعرف خلاصه ولم يعرف ما ينفعه مما يضره . . . وفي دعاء الافتتاح « إنك تدعوني فأولي عنك وتتحبب إليّ فأتبغض إليك وتتودد إلي فلا أقبل منك . . . » . ( فتعالى من قوي ما أكرمه وتواضعت من ضعيف ما أجرأك على معصيته وأنت في كنف ستره مقيم وفي سعة فضله متقلب فلم يمنعك فضله ولم يهتك عنك ستره بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمة يحدثها لك أو سيئة يسترها عليك أو بلية يصرفها عنك فما ظنك به لو أطعته ) جلّ جلالك يا رب أنت القوي المطلق والكريم المطلق تقول للشيء كن فيكون . . . تحيي من تشاء وتميت من تشاء وبيدك الوجود وكل موجود ومع ذلك يقف هذا الإنسان الذليل الحقير يتجرأ على معصيتك ويرتكب ما نهيت عنه وزجرت . . هذا العبد الذليل الذي يعيش في سترك فلا تفضحه أو تشهّر به أو تكشف عيوبه ومساويه . . . هذا الإنسان الذي يعيش بعطائك وجودك وتمده بكل قوة وحول وبكل أسباب الحياة والبقاء فلا تمنع فضلك عنه ولم تقطع صلاتك عنه ولم تكشف سترك